الاثنين، 20 يونيو 2011

حتى نكون معًا لقيادة المرأة السيارة (1-2)



د محمد بن إبراهيم السعيدي
كل الممانعين من قيادة المرأة للسيارة يبنون جزءًا كبيرًا من ممانعتهم هذه على غلبة مضار قيادة المرأة على منافعها، وهذا ما أعتقده حتى الآن.
وممّا يُؤسف له أن المطالبين بهذا الأمر لم يعتنوا بما يذكره الممانعون العناية المرجوة من أمثالهم، والمتمثلة في البحث عن المضار التي يؤكد عليها الممانعون، وطرح مشاريع لإزالتها، ولو فعلوا ذلك لوصل الجميع إلى كلمة سواء، وتصبح قيادة المرأة مباحةً عند الجميع.
وقد طرح الممانعون فكرة النقل العام كمطلب يلتقي عنده الجميع، وسوف يوصل حتمًا إلى تخفيف مضار قيادة المرأة لو قادت.
كما أن التطوّر في النقل العام -بقطع النظر عن هذه المسألة- يُعدُّ حلمًا لكل مواطن، حيث إن بلادنا تُعدُّ -حتى الآن- في مؤخرة الرّكب في هذا المجال، الذي لا يليق بها التأخّر فيه.
إلاّ أن غير المنصفين -في تقديري فقط- ردّوا هذه الفكرة جملةً وتفصيلاً بحجة أنها تُكلّف الدولة مبالغ باهظة، وبحجة كون النقل العام غير مُجدٍ اقتصاديًّا في جميع أنحاء العالم، وبحجة كون مدينة كالرياض لا يُغني النقل العام فيها عن السيارة، أو عن المشي في بيئة لا تلائم المشي؛ بسبب الرطوبة، والحرارة، والجفاف.
وكنتُ أتوقّعُ منهم كدعاة للإصلاح أن يجعلوا هذا المطلب نقطة التقاء، ولا يحملهم الحماس لمطالبتهم على ردّه، مع أن أقل ما فيه من منافع هو إظهار بلادنا أمام العالم بمظهر لائق بها كدولة تُعدُّ الأغنى، والأكثر نموًّا في الشرق الأوسط.
ما هي الموانع النظامية والاقتصادية في أن تُؤسس عشر شركات مساهمة للنقل العام، يُدعى جميع المواطنين للمساهمة فيها، إمّا بدوافع ربحية، أو بدوافع وطنية، وتغطي الدولة ما لم يستطع الاكتتاب توفيره من رأس المال؟ وبذلك تسقط حجة التكلفة الكبيرة للمشروع، وكونها مرهقةً للدولة.
وأجزم أن الدافع الاحتسابي لهذا المشروع الوطني سيجعل طلبات الاكتتاب تحقق فائضًا لا نظير له في المساهمات السابقة.
ولا بد أن يُضاف إلى هذا المشروع مشاريع ربحية أخرى، كإنشاء أسواق في محطات النقل العام العلوي والسفلي، ومنصات للإعلانات التجارية يستخدم ريعها في تغطية ما يحتمل من خسائر النقل المجرّدة.
أمّا كون النقل العام لن يكون مغنيًا عن السيارة والمشي، فجوابه أنه سيكون مغنيًا في حالات، وغير مغنٍ في حالات، كما هو الوضع في البلدان الأخرى، وهذا ما سيخفف كثيرًا من اكتظاظ الشوارع، الأمر الذي سيجعل من قيادة المرأة للسيارة لو حدثت أمرًا أقل ضررًا، ممّا سيشجع الممانعين على تغيير مواقفهم الحالية تجاهه، والتي هي مبنيةٌ أساسًا على غلبة مضار قيادة المرأة على منافعها.
أمّا المشي فقلّته اليوم تُعدُّ من أبرز مشكلات المجتمع السعودي، والتي نتج عنها ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض السكر، وضغط الدم، والاكتئاب عند الرجال وعند النساء، والكبار والأطفال، فما المانع أن نعود بسبب وسائل النقل العام إلى ثقافة المشي التي جعلنا فقدها مثل حشرة الخلد التي تخشى الحر، وتخشى الشمس، وليس لديها أيّ استعداد لبذل أي مجهود.
وربما وصلنا بتعزيز ثقافة المشي عبر وسائل النقل العام إلى تخفيف عبء علاج السكر، والضغط، والسمنة، والسرطان، وهي أمراض تفيد تقارير وزارة الصحة أن علاجها يكلّف الدولة مليارات من الريالات، وبذلك تكون خسارة الدولة في النقل العام مغطاة بتوفيرها في مجال الصحة؛ بسبب وسائل النقل العام، وثقافة المشي.
أمّا كون المجتمع السعودي لا يتقبّل وسائل النقل العام، فأمر غير صحيح، بل المجتمع يرحب بها بشكل متميّز، لكن بشرط أن تكون ملائمة، ومتوفرة، ومراعية لمتطلباته.
مَن الذي لا يرحب في أن تأتي سيارة وزارة التربية والتعليم لتأخذ زوجته وأطفاله إلى أماكن عملهم؟
مَن الذي لا يرحب في فقدان صورة السيدات المسكينات وهن يقفن على قوارع الطرق في انتظار الليموزين؟
وعلى فرض كون المجتمع لا يرحب بها، فهو أيضًا -حتى هذه اللحظة- لا يرحب بقيادة المرأة، ومع ذلك يقول المطالبون بقيادة المرأة لا بد من تأهيل المجتمع لقبول هذه الفكرة، فلماذا برأيكم يطالب المجتمع بالتأهل لفكرة دون أخرى؟ الجواب: لا أدري.
ويمكن ملاحظة أن تطوير وسائل النقل العام، وتعميمها على القطاعات الحكومية والأهلية، بحيث تكون هذه القطاعات مسؤولة عن نقل موظفيها رجالاً ونساءً سيحقق مردودًا ممتازًا على البيئة، كما سيحقق وفرًا بتروليًّا في مليارات الليترات التي تضيع في محركات السيارات الخاصة، الأمر الذي لو اعتنت به الدولة، فسوف يدفعها للاستمرار فيه حتى نجد من الابتكارات في وسائل النقل العام ما يجعلها إيجابية محضة.
وللحديث تتمة..






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق